-
Posted by marwan ashmawi
Wed at 6:45 PM
Filed in Arts & Culture
#الدعاء
20 views
هناك دعاء لا يشبه الكلام، لأنه لا يخرج من اللسان وحده، بل يخرج من الموضع الذي تنكسر فيه النفس ولا يراه الناس.
دعاء لا ترفعه الحناجر العالية، بل ترفعه الأنفاس الخافتة حين يضيق الصدر، وتسكت الحيلة، ويقف الإنسان أمام ربه بلا زينة ولا ترتيب، كأنه يقول: يا رب، انتهى ما عندي، وبقي ما عندك.
في تلك اللحظة لا يكون الدعاء طلبًا فقط، بل يكون عودة.
عودة عبد تعب من الأبواب، فعرف أن الباب الذي لا يغلق هو باب الله.
وتعب من الوجوه، فعرف أن الوجه الذي لا يملّ هو وجه الكريم.
وتعب من انتظار البشر، فعرف أن الرجاء إذا تعلق بالله لم يهن، وإن تأخر الجواب.
قالها زكريا عليه السلام وهو يرى سنن الأرض كلها تقول: لا.
العمر يقول: لا.
والجسد يقول: لا.
والعادة تقول: لا.
والواقع يقول: لا.
لكنه رفع قلبه إلى من لا تحكمه العادة، ولا يعجزه الواقع، ولا تحدّه السنون، وقال بمعنى العارف لا بمعنى المجرب فقط: يا رب، ما خاب من دعاك.
لم يقل: أنا قوي.
ولم يقل: عندي أسباب.
ولم يقل: بقي في يدي ما أفعله.
بل قال بلسان الافتقار: إنني ضعفت، لكنني أعرف الطريق إليك.
وهذه هي كرامة الدعاء؛ أنه لا يحتاج منك أن تكون في أفضل أحوالك حتى تقف على بابه. قد تأتيه مكسورًا، متعبًا، خائفًا، قليل الحيلة، مشتت القلب، ثم يكون هذا الضعف نفسه هو المفتاح. لأن الله لا يحب من عبده أن يتصنع القوة بين يديه، بل يحب منه صدق الفقر إليه.
ما أعجب الإنسان؛ يظن أن حاجته عار، وهي عند الله باب. ويظن أن دموعه نقص، وهي إذا صدقت صارت لغة. ويظن أن تأخر الجواب إهمال، وربما كان التأخير تهيئة، وتطهيرًا، وترتيبًا لما لا يراه.
ليس كل دعاء يعود إليك في الصورة التي تخيلتها.
قد يعود سكينة.
وقد يعود صرف بلاء لم تعلم أنه كان في الطريق.
وقد يعود نورًا في الفهم.
وقد يعود صبرًا يدهشك من نفسك.
وقد يعود بابًا آخر لم يخطر لك أن خلفه النجاة.
فالذي يدعو الله لا يرجع خاليًا، وإن رجع بغير ما طلب.
أحيانًا تطلب شيئًا صغيرًا، فيؤخّره الله لأن عطاءه أكبر من خيالك. وأحيانًا تطلب طريقًا، فيمنعك منه لأنه يعلم أن آخره شوك. وأحيانًا تطلب شخصًا، فيحفظ قلبك من تعلّق لو تمّ لأطفأ فيك نورًا عزيزًا. وأحيانًا تطلب أن تزول المحنة سريعًا، فيترك لك منها قدرًا يربيك، لا قدرًا يهلكك.
فلا تستعجل على ربك.
إن البذرة لا تصرخ تحت التراب: لماذا لم أصبح شجرة؟
والقمر لا يحزن لأنه يبدأ هلالًا.
والسحابة لا تعرف ساعة نزولها، لكنها تمتلئ حتى يأذن الله لها أن تمطر.
كذلك الدعاء؛ قد يختبئ زمنًا في غيب الله، لا لأنه ضاع، بل لأنه ينضج في رحمة لا تراها.
يا صاحب الحاجة، لا تقل: دعوت ولم أر شيئًا.
قل: دعوت، وقد صار لي عند الله حديث.
صار لي عند الله باب أطرقه.
صار لي في السماء أثر لا يراه أهل الأرض.
صار لي رجاء يربطني بمن لا يفقر خزائنه كثرة السائلين.
وهل الشقاء إلا أن ينقطع القلب عن ربه؟
وهل السعادة إلا أن يبقى بينك وبينه خيط نداء، ولو كنت في أضيق أيامك؟
من قال: يا رب، فقد نجا من الوحدة.
ومن قالها صادقًا، فقد خرج من ضيق نفسه إلى سعة مولاه.
ومن لازمها في ليله ونهاره، صار له من الدعاء وطن لا يغترب فيه.
اللهم لا تجعل دعاءنا عادة باردة، بل اجعله حياة في القلب.
ولا تجعل ألسنتنا تسبق أرواحنا، بل اجعل أرواحنا تحضر حين نناديك.
ولا تجعلنا نطلبك عند الوجع ثم ننساك عند العافية، بل اجعل العافية شكرًا، والوجع قربًا، والانتظار أدبًا.
يا رب، إن ضاقت بنا الطرق، فأنت الطريق.
وإن عجزت الأسباب، فأنت مسببها.
وإن سكت الناس عن حاجتنا، فأنت تعلمها قبل أن ننطق.
وإن تأخر الفرج، فاجعل في التأخير لطفًا، وفي الانتظار يقينًا، وفي القلب رضًا لا يقتل الشوق ولا يطفئ الرجاء.
يا رب، لا تجعلنا أشقياء بدعائك.
لا تجعلنا ممن يرفع يديه وقلبه غافل.
ولا ممن يطلب العطاء وينسى المعطي.
ولا ممن إذا أجيب فرح بالنعمة ونسي باب المنعم.
اجعلنا ندعوك لأنك أهل أن تُدعى، لا لأننا فقط أصحاب حوائج.
واجعلنا نحب الوقوف بين يديك، ولو لم نملك إلا كلمة واحدة: يا رب.
فمن وجد هذه الكلمة لم يفقد كل شيء.
ومن حفظها في قلبه، بقي له مصباح في العتمة.
ومن عاش بها، أدرك أن الدعاء ليس آخر الحيلة، بل أول النجاة.
وعندها يفهم الإنسان سر الطمأنينة في تلك العبارة الخالدة:
لم أكن بدعائك رب شقيًا.
أي لم أكن يومًا خائبًا وأنا أناديك.
ولم أكن وحيدًا وأنا أرجوك.
ولم أكن ضائعًا ما دام قلبي يعرف بابك.
ولم تكن حاجتي، مهما عظمت، أكبر من رحمتك.