-
Posted by marwan ashmawi
Fri at 9:47 PM
Filed in Arts & Culture
#الفرج
19 views
ليست الحياة جداراً ثابتاً كما يراها الحزين في لحظة انقباضه. الحياة في كتاب الله حركة، وتقليب، وإخراج، وإنبات، وإحياء بعد موات. لا يبقى الليل ليلاً، ولا تبقى الأرض قاحلة، ولا تظل النفس على حال واحد. هناك شأن إلهي دائم يجري في الخلق، يرفع ويضع، يقبض ويبسط، يخفي ثم يظهر، ويبدّل ما ظن الناس أنه لا يتبدل.
قال تعالى:
﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَٰلِكَ أَمْرًا﴾.
هذه الآية ليست وعداً بسيطاً بتغيير خارجي فحسب، بل هي تربية عظيمة على ألا يحكم الإنسان على الغد بعين اليوم. أنت لا تدري. وهذه وحدها رحمة. لا تدري ماذا سيولد من هذا الصمت، ولا أي باب سيظهر من جهة لم تكن تحسبها، ولا أي لقاء سيغير ترتيب أيامك، ولا أي معرفة ستنضج في داخلك بعد طول حيرة.
الإنسان حين يتألم يريد أن يعرف الخاتمة فوراً. يريد أن يرى آخر الصفحة وهو ما زال في أول السطر. يريد من الغيب أن يشرح نفسه على عجل. لكن الله يربينا أحياناً بأن يترك بيننا وبين الجواب مسافة، لا ليعذب أرواحنا، بل ليمنحها فرصة أن تكبر وهي لا تملك كل التفاصيل.
لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً.
أي لا تجعل اللحظة سجناً للحكم النهائي. لا تقل: انتهى كل شيء، وأنت لا تعرف ما الذي يتحرك في الخفاء. لا تقل: لن يتغير شيء، وأنت تعيش في كون يخرج الله فيه الحي من الميت، ويخرج الميت من الحي. انظر إلى الأرض إذا ماتت، كيف لا تعلن موتها بصخب، ولا تحتج على صمت السماء، ثم إذا نزل الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج.
القرآن يعلّمك أن ما يبدو ساكناً ليس دائماً بلا حياة. البذرة تحت التراب لا تشبه الشجرة، لكنها ليست عدماً. الجنين في الظلمات لا يشبه الإنسان، لكنه ليس غياباً. الفجر قبل ظهوره لا يملأ الأفق، لكنه قادم في قانون الله. كذلك بعض التحولات في حياتك تبدأ خفية، لا يراها أحد، ولا تستطيع أنت أن تسميها بعد.
فلا تستعجل تسمية المرحلة. ربما ما تسميه ضياعاً هو انتقال. وربما ما تظنه فراغاً هو مساحة تهيئة. وربما ما يبدو لك بطئاً هو ترتيب دقيق لشيء لو جاء قبل نضجه لانكسر في يدك. ليس كل هدوء موتاً، ولا كل تأخر تعطيلاً، ولا كل غموض غضباً.
قال تعالى:
﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾.
وهذه الآية تفتح في القلب نافذة واسعة. فالله ليس غائباً عن تفاصيل اليوم، ولا متوقفاً عن التدبير، ولا بعيداً عن خفقات القلوب. كل يوم يحمل شأناً من شؤونه: شفاء يبدأ ولا يُرى، رزق يقترب ولا يُسمع، قلب يلين بعد قسوة، عقل يستيقظ بعد غفلة، علاقة تُصفّى، نية تُطهّر، طريق يُعاد رسمه.
أنت قد ترى اليوم شبيهاً بالأمس، لكن الشبه الظاهر لا يعني أن باطن الأيام واحد. كم من يوم عادي كان بداية تحول عظيم، وكم من لقاء عابر صار مفتاح عمر، وكم من كلمة صغيرة أيقظت إنساناً من نوم طويل. الله يضع في الأيام أسراراً لا يعرفها المستعجلون.
لا تيأس لأنك لا ترى التغيير سريعاً. فالقرآن لا يحدثك عن كون جامد، بل عن رب يبدل الليل والنهار، ويسوق السحاب، وينزل الغيث، ويحيي الأرض بعد موتها. وهذه الصور ليست مشاهد طبيعية فقط، بل دروس روحية. كأن الكون كله يقول لك: لا تثق في شكل النهاية قبل أن يتم الله شأنه.
تأمل قوله تعالى:
﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾.
لم يقل إن العسر وهم، ولم يطلب منك أن تنكر وجعه. العسر عسر، والضيق ضيق، والتعب تعب. لكن الآية تمنع العسر أن يدّعي الخلود. تمنعه أن يتصرف كأنه مالك المستقبل. تقول له: لك وقت، لا أكثر. لك حضور، لا سلطان أبدي. بعدك يسر، ولو لم يعرف القلب شكله بعد.
وهنا يتعلم المؤمن أدباً عظيماً: ألا يعبد حالته النفسية. لا يجعل حزنه نبياً يخبره بالغيب. لا يجعل خوفه مفتياً يقرر المصير. لا يجعل ضيقه حاكماً على رحمة الله. فالحالة تمر، أما وعد الله فأثبت من انفعال عابر.
إن الرجاء القرآني ليس خفة في النظر، ولا هروباً من الواقع، ولا كلاماً ناعماً فوق الجراح. إنه قراءة أعمق للواقع. يرى الألم، لكنه لا يسلمه مفاتيح الغد. يعترف بالعسر، لكنه لا يوقّع له عقد البقاء. يقبل أن اليوم ثقيل، لكنه يترك للغد حقه في أن يكون مختلفاً.
وحين يقول الله:
﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ﴾،
فإن اللطف هنا ليس مجرد رقة، بل تدبير خفي يبلغ غايته دون ضجيج. لطف الله قد يأتي في صورة فكرة تنقذك من قرار خاطئ، أو تأخير يكشف لك وجهاً لم تكن تراه، أو كلمة تسمعها في وقتها، أو انقباض في صدرك يمنعك من طريق، أو طمأنينة تنزل بلا سبب ظاهر.
اللطف لا يطرق الباب دائماً بصوت مرتفع. أحياناً يدخل من أصغر الفتحات. وربما لهذا لا ينتبه له إلا من رقّ قلبه، وهدأت عجلته، وتعلّم أن يقرأ التفاصيل لا العناوين الكبيرة فقط.
لا تطلب من الحياة أن تتغير كلها دفعة واحدة كي تؤمن أن الله يعمل في شأنك. قد يبدأ التغيير بأن يخف تعلقك بشيء كان يأكلك، أو تنضج نظرتك إلى شخص كنت تضخمه، أو تتصالح مع مرحلة كنت تهرب من معناها، أو تكتسب قدرة صغيرة على ترتيب يومك. هذه البدايات الهادئة ليست قليلة. إنها بذور.
ومن ظلم الإنسان لنفسه أنه يحتقر البذور لأنه لا يرى فيها ظلال الشجر. يريد الثمرة قبل الجذر، والظل قبل الساق، والامتلاء قبل الغرس. لكن سنة الله في كثير من الأشياء أن يبدأ العظيم صغيراً، وأن يمضي الخفي حتى يصير ظاهراً، وأن يتأخر المشهد الجميل حتى يكتمل تكوينه.
فاصبر على ما لا يظهر بعد. ليس الصبر أن تقف جامداً، بل أن تواصل صناعة الممكن، وتترك للمقادير مساحتها، وتمنح الأيام فرصة أن تكشف ما خبأته. افعل ما تستطيع، وأحسن ما تقدر، ولا تجعل بطء النتائج دليلاً على موت الطريق.
سيحدث الله أمراً.
ربما لا يكون الأمر كما تخيلت، لكنه سيكون أصدق مما صنعت الأوهام. ربما يغيرك أنت قبل أن يغير ما حولك. ربما يريك معنى لم تكن تفهمه. ربما ينقلك من طلب شيء محدود إلى أفق أوسع. ربما يعلّمك أن النجاة ليست دائماً تبديل المكان، بل تبديل البصيرة.
وحين يمر الزمن، ستعرف أن بعض الآيات لم تكن تُقرأ باللسان فقط، بل عشتها في أيامك. ستعرف معنى أن يخرج الحي من الميت حين يولد فيك أمل من قلب تجربة قاسية. وستعرف معنى أن الله كل يوم هو في شأن حين تكتشف أن أياماً صامتة كانت تمهد لك منعطفاً كبيراً. وستعرف معنى اليسر بعد العسر حين لا يعود الألم مركز الحكاية، بل يصير فصلاً منها.
فلا تغلق كتابك عند صفحة ثقيلة. ولا تجعل سطر الحزن آخر ما تقرأه من حياتك. اترك مكاناً لما سيحدثه الله. اترك في قلبك نافذة للغد. اترك بينك وبين اليأس مسافة اسمها: لعل.
لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً.
ولعل هذا الأمر بدأ بالفعل، لكنك لم تره بعد.